فرص للتأثير المجتمعي في زمن كورونا
2020
يعتبر مرض فايروس كورونا المعدي المستجد (كوفيد-19) أحد أكثر الأمراض المعدية خطورة في العصر الحديث. أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ العامة بتاريخ 11 مارس 2020م، وسرعان ما تحولت الأزمة الصحية إلى أزمة اجتماعية واقتصادية شاملة.
المقدمة: الأزمة والفرصة
إدراكاً لخطورة سرعة انتشار فايروس كورونا ومضاعفات العدوى السريعة، فقد أجمعت الآراء بأن هناك حاجة ملحة لحشد ودعم جهود منظمات العمل المجتمعي. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن لهذه المنظمات أن تحقق أثراً حقيقياً في ظل الأزمة؟
من هي الفئات الهشة في سياق الجائحة؟
الفئات الهشة في أوقات الأزمات ليست مجرد مجموعة واحدة، بل عدة فئات متقاطعة:
1. الفئات ذوو المناعة الهشة: كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة (السكري، أمراض القلب، أمراض الجهاز التنفسي).
2. الفئات الاجتماعية والاقتصادية الضعيفة: العمال بدون عقود، العاملون في القطاع غير الرسمي، الفقراء.
3. الفئات الخاصة: ذوو الاحتياجات الخاصة، الحوامل، الأطفال الصغار.
نموذج الرغبة والفرصة والقدرة (Motivation, Opportunity, Ability)
بناء على نظريات تغيير السلوك وأدوات التصميم المتمحور حول الإنسان، يجب أن تستهدف الحلول المقترحة ثلاثة عوامل أساسية:
العامل الأول: الرغبة (Motivation)
يجب أن يكون لدى الناس الرغبة والحافز لتغيير سلوكهم. هذا يتطلب:
- رفع الوعي من خلال حملات توعوية إلكترونية واضحة وموثوقة - شرح الفوائد الشخصية المباشرة لتغيير السلوك - بناء الثقة في الرسائل والمصادر الموثوقة
مثال: حملات توعوية عن السلوكيات المعززة للمناعة — تناول الفيتامينات، الحصول على النوم الكافي، الحفاظ على النظافة الشخصية.
العامل الثاني: الفرصة (Opportunity)
يجب أن تكون لدى الناس الفرصة والإمكانيات لتطبيق السلوك الجديد. هذا يتطلب:
- توفير الموارد والمواد اللازمة - إزالة الحواجز الاقتصادية والجغرافية - توفير الدعم المؤسسي والمجتمعي
مثال: توزيع سلال غذائية تحتوي على مواد غذائية معززة للمناعة (الفواكه الطازة، الخضروات، الحليب، البيض).
العامل الثالث: القدرة (Ability)
يجب أن يكون لدى الناس القدرة والمهارات لتطبيق السلوك الجديد. هذا يتطلب:
- التدريب والتعليم العملي - إزالة العقبات التقنية والتنظيمية - توفير الدعم المستمر
مثال: إزالة معوقات تطبيق السلوكيات — توفير ثلاجات لحفظ المواد الغذائية، توفير أدوات النظافة الشخصية، توفير الوصول إلى المعلومات الصحيحة.
استراتيجيات التدخل المقترحة
1. حملات التوعية المتعددة الوسائط
استخدام وسائل متعددة للوصول إلى الناس حيث هم: - الرسائل النصية القصيرة (SMS) - منصات التواصل الاجتماعي - الراديو والتلفاز - الإعلانات في الأماكن العامة
2. البرامج الغذائية والصحية
توزيع المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية للفئات الهشة: - سلال غذائية متوازنة - مكملات غذائية - معقمات ومعدات حماية شخصية
3. برامج الدعم النفسي والاجتماعي
توفير الدعم النفسي والاجتماعي للفئات المتضررة: - خطوط هاتفية للاستشارة النفسية - مجموعات دعم محلية - برامج تدريب على التعامل مع الضغوط
4. برامج الدعم الاقتصادي
مساعدة الفئات الاقتصادية الضعيفة على البقاء واقفة على قدميها: - دعم نقدي مباشر - قروض ميسرة - برامج تدريب على المهارات الجديدة
التطبيق في السياق الخليجي
في منطقة الخليج، حيث توجد موارد كبيرة لكن قد لا تصل إلى جميع الفئات الهشة، يمكن للمنظمات الاجتماعية أن:
1. تحدد الفئات الهشة بدقة في مجتمعاتها 2. تصمم برامج تستهدف الرغبة والفرصة والقدرة معاً 3. تقيس الأثر بشكل دوري وتحسن البرامج بناءً على النتائج 4. تتعاون مع الحكومات والقطاع الخاص لتضخيم الأثر
خلاصة: من الأزمة إلى الفرصة
جائحة كورونا أظهرت لنا أن المنظمات الاجتماعية ليست ترفاً، بل هي ضرورة حتمية في أوقات الأزمات. لكن لكي تحقق هذه المنظمات أثراً حقيقياً، يجب أن تفهم احتياجات الفئات الهشة بعمق، وتصمم تدخلات تستهدف الرغبة والفرصة والقدرة معاً. في النهاية، الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين وصلنا إليهم، بل بمدى تحسن حياتهم الفعلي.